تم إلغاء فرقة الإنكشارية على يد السلطان محمود الثاني عام 1826، بعد أن فقدت قوتها العسكرية وتدخلت في الشأن السياسي وأصبحت عقبة أمام الإصلاحات؛ وكانت «الواقعة الخيرية» بمثابة الخطوة التي اتخذتها الإدارة المركزية العثمانية لإعادة بناء الجيش وتحديث الدولة.
ملخص سريع
- فقد الإنكشاريون انضباطهم العسكري إلى حد كبير مع مرور الزمن.
- كانت الفرقة كثيرًا ما تُقابل محاولات الإصلاح بردود فعل عنيفة.
- أراد السلطان محمود الثاني تعزيز السلطة المركزية للدولة.
- في عام 1826 تم قمع الثورة وإلغاء الفرقة نهائيًا.
- تأسس بدلًا منها جيش «عساكر منصورة محمدية» (Asâkir-i Mansûre-i Muhammediyye).
المحتويات
- لماذا كانت فرقة الإنكشارية مهمة؟
- جذور التدهور
- مقاومة الإصلاحات والضغط السياسي
- استعدادات السلطان محمود الثاني
- كيف وقعت الواقعة الخيرية؟
- نتائج الإلغاء
- الخاتمة
لماذا كانت فرقة الإنكشارية مهمة؟
كانت فرقة الإنكشارية واحدة من أكثر المؤسسات العسكرية تأثيرًا في العصر الكلاسيكي للدولة العثمانية. فقد شكّلت محور جيش «كابي كولو» (Kapıkulu، أي جند الباب)، وكانت في خدمة السلطان مباشرة، وتميّزت بشكل خاص في عصر الفتوحات بكونها قوة مشاة منضبطة.
وكان نجاح هذه المؤسسة في مراحلها الأولى مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالبنية المركزية للدولة. ويُعد فهم الهيكل الأساسي للتنظيم العسكري العثماني أمرًا مهمًا لاستيعاب دور الإنكشارية، إذ لم تكن الفرقة مجرد قوة قتالية، بل كانت متشابكة مع القصر والعاصمة وسلطة الدولة.
ووفقًا لإسماعيل حقي أوزونتشارشلي، عملت الفرقة في مراحلها الأولى وفق قواعد صارمة وتسلسل هرمي قوي. غير أن هذا البنيان تغيّر على مر القرون، فتحوّلت فرقة الإنكشارية تدريجيًا من مؤسسة عسكرية بحتة إلى فاعل قوي في الحياة المدينية بإسطنبول.
فرقة الإنكشارية والنظام الكلاسيكي
في العصر الكلاسيكي، كان الإنكشاريون جنودًا نظاميين يتقاضون رواتب دائمة، وهي خاصية ميّزتهم عن كثير من الجيوش المعاصرة لهم. كما أن ارتباطهم المباشر بالسلطان كان يعزز السلطة المركزية.
وكان نظام «الدوشيرمة» (devşirme) جزءًا مهمًا من هذا النظام. ويُعد نظام الدوشيرمة العثماني واختيار الأطفال من الموضوعات الأساسية لفهم البنية المبكرة للإنكشارية. لكن هذا النظام تراخى مع مرور الوقت، وبدأت تسجيلات غير نظامية تتسرب إلى صفوف الفرقة.
جذور التدهور
لا يمكن الإجابة عن سؤال «لماذا تم إلغاء فرقة الإنكشارية؟» بالنظر فقط إلى عام 1826، فجذور المشكلة بدأت تظهر منذ أواخر القرن السادس عشر. فقد أثقلت الحروب الطويلة والأزمات المالية والتحولات التقنية كاهل الفرقة.
أولًا، تراخت قواعد الالتحاق بالفرقة، وبدأ يُنظر إلى الانتساب إلى الإنكشارية كمهنة تنتقل من الأب إلى الابن. وأدى ذلك إلى إضعاف البنية العسكرية المنضبطة. كما اختلطت فئات من التجار والحرفيين وأهل المدن بصفوف الفرقة.
في المقابل، كانت الجيوش الأوروبية تشهد تطورات في التدريب والقوة المدفعية واللوجستيات، وقد لاحظت الإدارة العثمانية هذه التطورات. إلا أن فرقة الإنكشارية ظلت لفترة طويلة تقاوم التدريب المنظم والتقنيات الجديدة.
فرقة الإنكشارية والتراجع العسكري
لا يمكن تفسير التراجع العسكري بالإنكشارية وحدها، لكن الفرقة تحوّلت إلى عقبة كبيرة أمام التجديد. ويؤكد خليل إينالجيك، في تناوله لتحوّل الدولة العثمانية، على الرابط الوثيق بين البنية المالية والسلطة المركزية والنظام العسكري.
ارتفعت تكاليف الحروب في القرنين السابع عشر والثامن عشر. فسعت الدولة إلى نظام ضرائب أكثر انتظامًا وجيش أكثر فعالية. وفي هذا السياق، ترتبط محاولات إنشاء أول جيش نظامي في الدولة العثمانية ارتباطًا مباشرًا بمسألة الإنكشارية.
كذلك لم تكن الفرقة تؤدي مهامها في ساحة المعركة دائمًا. وازدادت مطالبها بالرواتب والعطايا والامتيازات. لذلك تحوّلت المشكلة العسكرية تدريجيًا إلى أزمة سياسية واقتصادية.
المقاومة أمام الإصلاحات والضغط السياسي
تحوّلت فرقة الإنكشارية بمرور الزمن إلى قوة تفرض ضغطها على السلاطين ورجال الدولة. ولم تكن ثورات الفرقة مجرد عصيان عسكري، بل كانت تعني أيضًا تدخلًا مباشرًا في سياسة القصر.
ويُعد مقتل السلطان عثمان الثاني عام 1622 مثالًا صارخًا في هذا الصدد. فقد أراد السلطان الشاب إعادة تنظيم الجيش، لكن رد فعل الإنكشارية كلّفه حياته. وترك هذا الحادث أثرًا عميقًا في ذاكرة السلاطين اللاحقين.
وفي القرن الثامن عشر، بدت الحاجة إلى الإصلاح أكثر وضوحًا. فأسّس السلطان سليم الثالث جيش «النظام الجديد» في محاولة لإقامة نظام عسكري جديد. لكن فرقة الإنكشارية والدوائر الداعمة لها رأت في هذا الإصلاح تهديدًا لوجودها.
لم تكن الواقعة الخيرية انفجارًا مفاجئًا للغضب بقدر ما كانت الحلقة الأخيرة في صراع إصلاحي طويل.
وأدت ثورة كبجي مصطفى عام 1807 إلى انهيار إصلاحات السلطان سليم الثالث. وكان هذا الحادث درسًا واضحًا للسلطان محمود الثاني، الذي أدرك أنه يجب أن يتحرك بحذر قبل أن يخوض التصفية المباشرة مع الإنكشارية.
تحضيرات السلطان محمود الثاني
حين تولّى السلطان محمود الثاني العرش عام 1808، ورث تركة بالغة الصعوبة. وحاول بدعم من علمدار مصطفى باشا تعزيز السلطة المركزية، لكن وفاة علمدار أظهرت أن الإصلاحات لا يمكن أن تتم على عجل.
لذلك انتظر السلطان محمود الثاني وقتًا طويلًا. فحاول أولًا موازنة قوة الأعيان في الأقاليم، ثم عمل على توحيد البيروقراطية ودعم العلماء ودوائر القصر على خط أكثر تماسكًا.
كما أن السلطان كان يعطي أهمية لدعم الرأي العام. فلم تكن فرقة الإنكشارية مؤسسة عسكرية فحسب، بل كانت لها صلات بأسواق إسطنبول والدوائر الدينية. لذلك جهّز السلطان أرضية الشرعية بعناية فائقة.
البحث عن الشرعية في مواجهة فرقة الإنكشارية
أراد السلطان محمود الثاني أن يبدو الجيش الجديد شرعيًا من الناحية الدينية. ويتجلى هذا الخيار بوضوح في اسم «عساكر منصورة محمدية»، الذي يعني «جيوش محمد المنتصرة».
ويؤكد أحمد جودت باشا، في سرده لهذه المرحلة، على أهمية دعم العلماء بشكل خاص؛ لأن السلطان لم يرغب في تصوير صراعه مع فرقة الإنكشارية كحركة معادية للدين، بل قدّمه على أنه واجب لإحلال النظام.
وإلى جانب ذلك، رصدت الإدارة عن كثب حالات الاستياء داخل الفرقة. وأدت محاولة إنشاء وحدة مدربة جديدة سُمّيت «فرقة الإشكنجي» إلى تسريع المواجهة الأخيرة، حيث اعتبر الإنكشارية هذه المحاولة تهديدًا لوجودهم.
كيف وقعت الواقعة الخيرية؟
وقعت الواقعة الخيرية في يونيو من عام 1826. فقد أشعل الإنكشارية «قلب القِدر» رفضًا لنظام التدريب الجديد. فما كان من السلطان محمود الثاني إلا أن رفع «السنجق الشريف» ليجمع حوله الشعب والوحدات الموالية له.
وقد غيّرت هذه الخطوة مسار الأحداث. فاستهدفت وحدات المدفعية والقوات الموالية للسلطان ثكنات الإنكشارية. واشتدت المواجهات حول ميدان «آت ميداني» في وقت قصير. وقُمعت مقاومة الفرقة بشدة وعنف.
وفي النهاية، أُلغيت فرقة الإنكشارية رسميًا. وأطلقت الدولة على هذا الحادث اسم «الواقعة الخيرية»، أي «الحادثة المباركة». وهذا التسمية تعكس كيف صيغت الرواية الرسمية للحدث.
وهنا نقطة مهمة، فالحادث لم يكن تصفية عسكرية فقط، بل شهدت تلك الفترة نفسها تدخلات ضد تكايا البكتاشية أيضًا؛ لأن الفرقة كانت تربطها علاقات تاريخية بالدوائر البكتاشية.
نتائج الإلغاء
بعد إلغاء فرقة الإنكشارية، أُعيد تنظيم الجيش العثماني. فتأسست فرقة «عساكر منصورة محمدية»، وبرزت الوحدات المدرَّبة نظاميًا. وكانت هذه البنية تهدف إلى إقامة جيش أكثر مركزية وأكثر ارتباطًا بالسلطان.
غير أن النتائج لم تكن مثالية على الفور. فقد احتاج الجيش الجديد وقتًا لتأمين التدريب والتجهيز والبنية القيادية اللازمة. كما واجهت الدولة، وهي تُفكّك شبكات الأوجاق القديمة، مشكلات اجتماعية واقتصادية.
ومع ذلك، تُعدّ الواقعة الخيرية نقطة تحوّل في مسار التحديث العثماني. فللمرة الأولى، أزالت الإدارة المركزية مؤسسة عسكرية بهذا القدر من الرسوخ. وتُقدّم آليات القرار المركزي في إدارة الدولة العثمانية خلفية مفيدة لفهم هذا التحوّل.
الدولة والمجتمع بعد إلغاء فرقة الإنكشارية
بعد إلغاء الأوجاق، تغيّر ميزان القوى في إسطنبول. فقد تراجعت الروابط التي كانت تجمع الإنكشارية بأصحاب الحرف. وبدأت الدولة تتحرك بشكل أكثر مباشرة في مجالي الأمن والرقابة.
من جهة أخرى، لم تنحصر عملية الإصلاح في الجيش وحده. فقد اتخذ السلطان محمود الثاني خطوات جديدة في مجالات الملبس والبيروقراطية والتعليم والإدارة. وقد مهّد هذا المسار الطريق نحو عصر التنظيمات.
وتنظر كارولين فينكل إلى التاريخ العثماني بوصفه سلسلة من التحولات طويلة الأمد. ومن هذا المنظور، لا تُعدّ الواقعة الخيرية اللحظة الوحيدة التي انتهى فيها النظام القديم تمامًا، بل هي انكسار قوي يُظهر بوضوح إرادة الدولة في التجدد.
من الانحياز العسكري إلى التحديث
تُعدّ قضية فرقة الإنكشارية من أعقد محاور التحديث العثماني. فالأمر لم يكن مجرد تصفية طبقة عسكرية متأخرة، بل أعيد من خلاله تعريف علاقة الدولة بالشرعية والسلطة والمجتمع.
كما زاد وجود الإنكشارية بين عموم الناس من تعقيد الموضوع؛ فبعضهم كان يعمل حرفيًا ومنخرطًا في الاقتصاد المديني. لذلك أثّرت عملية التصفية على مجتمع العاصمة أيضًا.
ويقترح منهج سرعية فاروقي في التاريخ الاجتماعي قراءة المؤسسات العثمانية جنبًا إلى جنب مع الحياة اليومية. ومن هذا المنظور، لم يكن تأثير الأوجاق مقصورًا على ساحات القتال، بل امتدّ إلى شوارع إسطنبول أيضًا. ومن ثمّ، فتح إلغاؤها عهدًا جديدًا في نظام المدينة كذلك.
وأخيرًا، تستحق تسمية «الواقعة الخيرية» نفسها التوقف عندها. فقد أرادت الدولة، بوصفها الحادثة بـ«الخيرية»، توجيه رسالة سياسية تُعزّز فكرة أن الإصلاح كان مشروعًا وضروريًا.
الخاتمة
في المحصلة، أُلغيت فرقة الإنكشارية لأنها فقدت فعاليتها العسكرية، وأعاقت الإصلاحات، وتحدّت السلطة المركزية. وكانت الواقعة الخيرية أشدّ خطوة في مسار سعي الدولة العثمانية إلى تصفية مراكز القوة القديمة وبناء جيش حديث وإدارة مركزية.
المراجع
- إسماعيل حقي أوزون تشارشılı، أوجاقات القپوقولو من تشكيلات الدولة العثمانية.
- أحمد جودت باشا، تاريخ جودت.
- خليل إينالجيك، الدولة العلية.
- كارولين فينكل، حلم عثمان.
- موسوعة الدياناة التركية الإسلامية (TDV)، مادة الإنكشارية.

