كان نظام الملة في الدولة العثمانية تنظيمًا للرعايا غير المسلمين في جماعات قائمة على أساس الدين والمذهب. وقد منح هذا النظام حقوقًا واسعة في العبادة وإدارة الجماعة وقانون الأسرة والتعليم. وفي المقابل كانت الجماعات تدفع الجزية وتبقى على ولائها للدولة وتُدار عن طريق رؤسائها الروحيين. وكانت الحقوق تُمنح للجماعة لا للفرد.
ملخص سريع
- كانت الكلمة التي يحملها اسم النظام تدل في الوثائق العثمانية على الجماعة الدينية لا على الجماعة العرقية.
- مُثّلت جماعات الروم الأرثوذكس والأرمن واليهود برؤسائها الروحيين.
- نالت الجماعات حرية واسعة في شؤون العبادة وقانون الأسرة والمدارس والأوقاف.
- كان غير المسلمين يدفعون الجزية، وكانت هناك قيود في أمور مثل اللباس وبناء دور العبادة.
- ألغى فرمان الإصلاحات عام 1856 الجزية، وأدخل أعضاء من عامة الناس في إدارة الجماعات.
المحتويات
- ما نظام الملة؟
- معنى الكلمة
- الجماعات بعد الفتح
- الحقوق الممنوحة
- محاكم الجماعات والقاضي
- حدود الحقوق
- التجارة والحياة اليومية
- التنظيمات وفرمان الإصلاحات
- أخطاء شائعة
- أسئلة شائعة
ما هو نظام الملة؟
نظام الملة هو النظام القانوني والإداري لغير المسلمين الخاضعين للحكم العثماني. فبحسب الموسوعة الإسلامية لوقف الديانة التركي، كانت أي منطقة تنضم إلى الدولة الإسلامية يدخل أهل الذمة فيها في حماية الدولة بعهدنامه. وكان تنظيم الجماعة كيانًا قانونيًا ناشئًا عن هذه الحماية. وتؤكد الموسوعة أن هذا العهد كان تصرفًا صادرًا عن الدولة من جانب واحد.
والذمي هو غير المسلم الذي في حماية الدولة الإسلامية. وكان أمن الذميين على أرواحهم وأموالهم مكفولًا من الدولة، وفي المقابل كانوا يدفعون الجزية، وهي ضريبة الرأس، ويلتزمون بالنظام العام. وبحسب الموسوعة، أعطت الدولة العثمانية، آخر الإمبراطوريات الإسلامية، لهذه المؤسسة القديمة بنية قانونية وإدارية واضحة.
وقراءة هذا النظام بمفهوم المواطنة المتساوية اليوم مضلِّلة. فقد كانت الحقوق تُمنح للجماعة المعترف بها لا للفرد، وكانت الجماعة الدينية التي وُلد فيها الإنسان تحدد وضعه القانوني. ولهذا ينبغي تقييم نظام الملة في إطار ظروف الإمبراطوريات في عصره.
ماذا كانت تعني كلمة «الملة»؟
بحسب الموسوعة الإسلامية لوقف الديانة التركي، تُستعمل الكلمة في الأدبيات الإسلامية بمعنى الدين وللدلالة على أتباع دين ما. وفي الوثائق العثمانية أيضًا كانت تدل منذ العصر الكلاسيكي على الجماعات الدينية، وترد في وثائق القرون من السادس عشر إلى الثامن عشر عبارات مثل «ملّة الأرمن». ولم تبدأ الكلمة تُستعمل بمعنى الأمة، مقابل الكلمة الفرنسية «nation»، إلا في القرن التاسع عشر.
وبحسب الموسوعة، لم يكن التنظيم قائمًا على الأصل العرقي أو اللغة، بل على الدين والمذهب. ولهذا لم يُعدّ الأرمن جماعة واحدة، بل نُظّم الأرمن الغريغوريون والكاثوليك في جماعتين منفصلتين. ولما اعتُرف بالبروتستانتية أيضًا توزع الأرمن على ثلاث جماعات.
أما بطريركية الروم الأرثوذكس فلم تكن تقتصر على الروم. فبحسب الموسوعة، كان البلغار والصرب والألبان الأرثوذكس والعرب الأرثوذكس أيضًا تحت إشراف البطريركية في حي الفنار. وكان هذا الإشراف يشمل المجالات الروحية والمالية والإدارية والقانونية، بل كانت البطريركية تتولى أيضًا الرقابة على المدارس والمطبوعات.
كيف نُظّمت الجماعات بعد الفتح؟
بحسب ما تنقله الموسوعة، يذكر خليل إينالجيك أن الفتوحات العثمانية اتبعت سياسة تُسمّى «الاستمالة». فبعد الفتح كانت تُمنح امتيازات مختلفة للفلاحين والحرفيين ورجال الدين، وتُحفظ المؤسسات القانونية القديمة ما لم تتضمن شروطًا ثقيلة، ويُضم قسم من الفئات الحاكمة السابقة إلى الطبقة العسكرية.
وقد صار فتح إسطنبول رمزًا لهذا النظام. فبحسب الموسوعة الإسلامية لوقف الديانة التركي، أبدى محمد الفاتح احترامًا كبيرًا لبطريرك الروم الأرثوذكس جناديوس حين عيّنه، ومنحه امتيازًا في المراسم، وأهدى إليه فرسًا. ومنذ ذلك الحين صار للرؤساء الروحيين امتياز ركوب الدواب كأفراد الطبقة العسكرية.
ويُعد عام 1461 في الغالب بداية جماعة الأرمن. فبحسب الموسوعة، عيّن الفاتح في ذلك العام المطران هوفاكيم، الذي استقدمه من بورصة، بطريركًا في إسطنبول. أما الجماعات اليهودية فكانت متفرقة ومتعددة اللغات، وبحسب الموسوعة لم تتحقق فعليًا سيادة الحاخام باشي في إسطنبول على الجماعات اليهودية الأخرى إلا في القرن التاسع عشر.
وكانت صلاحية تعيين الرؤساء الروحيين وعزلهم دائمًا بيد الباب العالي. فبحسب الموسوعة الإسلامية لوقف الديانة التركي، تغيّر في القرن السابع عشر ثمانية وخمسون بطريركًا للروم، بمتوسط مدة عشرين شهرًا. ويُظهر ذلك أن استقلال الجماعات كان يعمل تحت رقابة الدولة.

ما الحقوق التي منحها نظام الملة لغير المسلمين؟
أتاح نظام الملة لغير المسلمين أن يعيشوا دينهم ويحافظوا على مؤسساتهم. وقد اختلفت الحقوق من عصر إلى عصر ومن منطقة إلى أخرى، لكن الإطار العام يمكن تلخيصه كما يلي:
- العبادة: استمرت الحياة الدينية في الكنائس والأديرة والكنس.
- التمثيل: مثّل البطريرك والحاخام باشي جماعتيهما أمام الدولة.
- قانون الأسرة: طُبّقت قواعد الجماعة نفسها في شؤون الزواج والطلاق والميراث.
- التعليم: استطاعت الجماعات فتح المدارس، وكانت المدارس وطباعة الكتب تحت رقابة البطريركيات.
- الأمن: كُفل الأمن على الأرواح والأموال في مقابل الولاء للدولة ودفع الضرائب.
وترى الموسوعة الإسلامية لوقف الديانة التركي أن أكبر ثراء في هذا النظام كان في مجال قانون الأسرة، إذ حافظت كل جماعة على بنيتها الخاصة فيه. وبحسب الموسوعة، مرّ حتى القانون الرومي بعد بيزنطة في العهد العثماني بمرحلة خاصة تُعرف باسم «التوركوكراتيا». ويُظهر ذلك أن الجماعات استطاعت أن تُبقي تراثها القانوني حيًّا في داخلها.
وبحسب الموسوعة، لم يكن هذا التنظيم قائمًا على تمييز طبقي اجتماعي. فقد كان يمكن أن يوجد في كل جماعة أشخاص ذوو امتيازات معفَون من الضرائب، مثل الجنود المسيحيين المسمَّين «المارتولوس» و«الفوينوق» والمطارنة والحاخامات. أما الرعايا دافعو الضرائب فكانوا يشملون الجميع من مسلمين ومسيحيين ويهود.
محاكم الجماعات ومحكمة القاضي
كانت الشؤون الشخصية مثل الزواج والطلاق والميراث والوصية تُحل في معظمها داخل الجماعة، فكان المسيحيون يرجعون إلى القانون الكنسي، واليهود إلى سلطة الحاخامات. لكن هذا الاستقلال لم يكن مطلقًا، فقد كانت الدعاوى الجنائية والضرائب والنظام العام خاضعة للنظام القانوني للدولة.
وكان غير المسلمين يستطيعون أيضًا اللجوء إلى محكمة القاضي. ففي نزاعات البيع والدين والميراث كانت لسجلات القاضي قوة السجل الرسمي، وكانت الدعاوى بين المسلم وغير المسلم تُرفع أيضًا إلى القاضي. وقد شرحنا الأعمال اليومية للقضاة في مقال ماذا كان يفعل القاضي العثماني؟.
وكان النظام داخل الجماعة يستند أيضًا إلى دعم الدولة. فبحسب الموسوعة، إذا قوبلت الضريبة التي يجمعها الرئيس الروحي بالمقاومة تدخلت قوات الضبط، وكان الاستخفاف برئيس الجماعة والتمرد الجماعي يُعدّان موجّهين ضد الدولة. وقد قُمع بشدة تمرد الأرمن الغريغوريين على البطريرك بوغوص عام 1820.

حدود الحقوق: الجزية وفارق المكانة
مع أن غير المسلمين كانوا في حماية الدولة، لم يكونوا في منزلة المسلمين نفسها، وكان أبرز الفروق ضريبة الجزية. فبحسب الموسوعة الإسلامية لوقف الديانة التركي، كان المكلفون بالجزية في الدولة العثمانية يُقسَّمون إلى ثلاث فئات هي «الأعلى» و«الأوسط» و«الأدنى»، أي الغني والمتوسط والفقير. وكانت النساء والأطفال وذوو الإعاقة والعاطلون والفقراء معفيين منها.
وبحسب الموسوعة، كانت الجزية في أصول الفقه الإسلامي مقابل الالتزام بالخدمة العسكرية، إذ لم يكن غير المسلمين يُجنَّدون في الغالب. وكان بناء دور عبادة جديدة يحتاج في أكثر الأحيان إلى إذن، وطُبّقت قواعد مثل إلزام لبس ثياب مختلفة. ومن هذه القواعد أيضًا استعمال مطرقة خشبية لدعوة الجماعة بدل جرس الكنيسة.
وتذكّر الموسوعة بأن هذه الفوارق لم تكن من جانب واحد، فقد تبنّت الجماعات غير المسلمة أيضًا ممارسات مثل التمييز في اللباس والسكن في أحياء منفصلة، لأن هذا الطريق كان يساعدها على حفظ دينها وتقاليدها.
غير المسلمين في التجارة والحياة اليومية
كان لغير المسلمين تأثير في مجالات مثل التجارة والحرف والصيرفة والترجمة. ففي المدن الساحلية خاصة كان التجار الروم والأرمن واليهود من الفاعلين المهمين في الاقتصاد، وكانت الأسواق والخانات والبدستانات أماكن يعمل فيها أناس من أديان مختلفة معًا. وقد وصفنا هذه الأماكن في مقال أماكن التجارة في الدولة العثمانية.
وبحسب الموسوعة، كانت العلاقات بين الجماعات المختلفة محدودة، لكن الصدامات كانت قليلة أيضًا. فقد كان كل أحد يعيش داخل جماعته الدينية بشعور من الأمان تمنحه الأسرة والجماعة. أما مفهوم الأقلية الحديث فلم يدخل الحياة العثمانية إلا في العقود الأخيرة من الإمبراطورية.

ما الذي تغير مع التنظيمات وفرمان الإصلاحات؟
أعلن خط كلخانه الهمايوني، الصادر في 3 نوفمبر 1839، أن جميع الرعايا متساوون أمام القانون. وبحسب الموسوعة الإسلامية لوقف الديانة التركي، لم تجد الدول الغربية ذلك كافيًا، فزادت ضغوطها المتعلقة بحقوق غير المسلمين في أثناء حرب القرم. وكانت آثار الثورة الفرنسية أيضًا في الخلفية الفكرية لهذه الضغوط.
وبحسب الموسوعة، قررت الحكومة في 10 مايو 1855 إلغاء الجزية وتجنيد غير المسلمين في الجيش، فجاء أشد رد فعل على القرار من غير المسلمين أنفسهم، وتمرد في بعض الأماكن من لم يرغبوا في الخدمة العسكرية، فاضطرت الحكومة إلى تعديل قرارها.
وقُرئ فرمان الإصلاحات في احتفال بالباب العالي في 18 فبراير 1856. وقد حفظ الفرمان الامتيازات الدينية القديمة للجماعات، وجعل البطاركة يتولون مناصبهم مدى الحياة، ونص على أن تدير شؤون الجماعات مجالسُ مختلطة من رجال الدين وأعضاء منتخبين من عامة الناس، وألا يُعترض على ترميم المعابد والمدارس والمستشفيات والمقابر.
وأُلغيت الجزية أيضًا بفرمان الإصلاحات. لكن، بحسب الموسوعة، استمر أخذ ضريبة من غير المسلمين الذين لا يؤدون الخدمة العسكرية باسم «البدل العسكري». وفي السنوات التالية أصدرت كل جماعة نظامنامه خاصًا بها، وأُنشئت مجالس الجماعات، فقلّت صلاحيات البطريركيات وازداد دور الأعضاء من غير رجال الدين.
وبحسب الموسوعة، كانت نسبة غير المسلمين في القرن التاسع عشر تُقدَّر بالثلث، وكان الشبان غير المسلمين يُقبلون في مدارس مثل المدرسة الطبية والمدرسة الملكية وغلطة سراي وفق هذه النسبة. غير أن التيارات القومية شدّت العلاقات بين الجماعات تدريجيًا. وقد تناولنا نتيجة هذا المسار في البلقان في مقال حروب البلقان.
أخطاء شائعة عن نظام الملة
الخطأ الأول هو عدّ هذا النظام نموذجًا للمساواة والتسامح بالمعنى المعاصر، فقد مُنحت الحقوق للجماعات وبقي فارق المكانة قائمًا. والخطأ الثاني هو النظر إلى النظام على أنه نظام قمع فحسب، فقد أبقت الجماعات لغاتها وعباداتها ومؤسساتها حية قرونًا طويلة.
وتتعامل الموسوعة الإسلامية لوقف الديانة التركي بتحفظ أيضًا مع الادعاء بأن الذميين كانوا فئة «من الدرجة الثانية». فبحسب الموسوعة، كانت كل جماعة دينية في هذا النظام تعيش في قسمها الخاص، وكان ارتقاء الفرد ومعاقبته يجريان داخل هذا القسم. وكانت هذه البنية تختلف عن وضع الأقلية الحديث موضوعيًا وذاتيًا.
أسئلة شائعة
متى ظهر نظام الملة؟
تمتد جذوره إلى مفهوم الذمة في الفقه الإسلامي. وقد تطور في الدولة العثمانية مع الفتوحات، واكتسب صورة مؤسسية بعد فتح إسطنبول.
ماذا يعني اسم نظام الملة؟
تعني الملة الجماعة الدينية لا الجماعة العرقية، ولم يشع معنى الأمة للكلمة إلا في القرن التاسع عشر.
هل كان غير المسلمين يؤدون الخدمة العسكرية؟
لم يكونوا يُجنَّدون في العصر الكلاسيكي في الغالب، وكانوا يدفعون الجزية. وبحسب الموسوعة الإسلامية لوقف الديانة التركي، زال الإعفاء على نطاق واسع في الحرب العالمية الأولى وجُنّد غير المسلمين أيضًا.
أي فرمان غيّر نظام الملة؟
فرمان الإصلاحات عام 1856، فقد ألغى الجزية، وأدخل أعضاء من عامة الناس في إدارة الجماعات، وقيّد صلاحيات البطاركة.
هل كان بناء الكنائس حرًّا؟
كان الترميم ممكنًا في الغالب، أما البناء الجديد فكان يحتاج إلى إذن. وقد أبقى فرمان الإصلاحات أيضًا شرط إذن الحكومة للبناء الجديد.
الخاتمة
كان نظام الملة طريقة الدولة العثمانية في إدارة جماعات من أديان مختلفة بمؤسساتها الخاصة. وقد فتح لغير المسلمين مجالًا واسعًا في العبادة وإدارة الجماعة وقانون الأسرة والتعليم والتجارة. وكانت هذه الحقوق مقيدة بسلطة السلطان والجزية وفارق المكانة الدينية. وبعد عام 1856 تغيّر نظام الملة واتخذ شكلًا جديدًا في عصر القوميات.
6 رأي حول “ما الحقوق التي منحها نظام الملة العثماني لغير المسلمين؟”