الإنكشارية هم واحدة من أهم الفرق العسكرية العثمانية وأكثرها انضباطاً. تأسست هذه الفرقة في إطار حاجة الدولة العثمانية إلى النمو وتعزيز سلطتها المركزية. وقد نشأت الإنكشارية في أواخر القرن الرابع عشر، وبالتحديد في عهد السلطان مراد الأول، ضمن نظام الدوشيرمة (devşirme). فقد كان يتم جمع الفتيان من غير المسلمين بهذا النظام، ثم إدخالهم في الإسلام وتلقينهم تدريباً طويلاً قبل ضمهم إلى أوجاق الإنكشارية.
لم يكن دور الإنكشارية مقتصراً على المعارك فقط، بل كانوا يقومون أيضاً بحماية القصر، وحفظ النظام الداخلي، والحفاظ على سلطة الدولة. فمن أهم مسؤولياتهم الحفاظ على الانضباط داخل القصر، وتأمين سلامة السلطان، والعمل كقوة طليعية في الحملات العسكرية الكبرى.
ومع مرور الزمن، تحوّل الإنكشارية إلى فئة قوية في المجتمع العثماني، عسكرياً واجتماعياً على حد سواء. فبعد أن كانت هذه الفرقة في البداية مخصصة لخدمة السلطان بولاء تام، أصبحت مع الوقت تتحرك وفق مصالحها الخاصة. ومع ذلك، ظلت لفترة طويلة تشكل العمود الفقري للنظام العسكري العثماني. ويمكن تلخيص طبيعة الإنكشارية على النحو التالي:
- جنود يتم تجنيدهم عبر نظام الدوشيرمة
- فرقة عسكرية تخضع مباشرة لأوامر السلطان
- قوة تتولى تأمين القصر والدولة
- جنود محترفون خضعوا لتدريب منظم وصارم
- القوة البرية الأساسية في الحملات العثمانية
تأسيس أوجاق الإنكشارية
يُعد تأسيس أوجاق الإنكشارية أحد أهم الابتكارات العسكرية في مرحلة تحوّل الدولة العثمانية من إمارة إلى دولة مركزية. وتشير معظم المصادر إلى أن هذا الأوجاق تأسس في عهد السلطان مراد الأول، بين عامي 1363 و1365، بالقرب من إدرنة. وبناءً على اقتراح الصدر الأعظم چاندارلي قره خليل باشا، تم تفعيل ما يعرف بـ«قانون البنجك» (pencik kanunu)، الذي بموجبه يُخصَّص خُمس أسرى الحرب لخدمة الدولة، فتشكلت من هؤلاء الأسرى أول فرقة مشاة أُطلق عليها اسم «الإنكشارية» (Yeniçeri)، وتعني «الجيش الجديد». وفي مرحلة التأسيس، اعتُمدت روحانية الحاج بكتاش ولي كرمز معنوي للأوجاق، مما أدى إلى نشوء رابطة وثيقة بين الإنكشارية والطريقة البكتاشية.
وفي البداية كان عدد أفراد الأوجاق نحو 1000 جندي، لكنه شهد تطوراً كبيراً من الناحيتين العددية والتنظيمية في عهد السلطان محمد الفاتح. فقد بلغ عدد أفراد الأوجاق نحو 12000 جندي أثناء فتح إسطنبول، وتراوح بين 12000 و15000 في عهد السلطان سليمان القانوني، ليصل في النصف الثاني من القرن السابع عشر إلى ما بين 50000 و100000 جندي. وبعد أن كانت مهمة الإنكشارية في بداياتها تنحصر في القتال إلى جانب السلطان، أصبحوا مع الوقت جزءاً لا يتجزأ من حراسة القصر وأمن العاصمة والبروتوكول الرسمي للدولة. وشكّل هذا التنظيم أحد الأعمدة الأساسية التي صاغت العصر الكلاسيكي للدولة العثمانية.
نظام الدوشيرمة وفرقة الأجمي أوغلان
كان المورد البشري لأوجاق الإنكشارية يقوم على نظام «الدَوشيرمة» (devşirme). فكل ثلاث إلى خمس سنوات، كان يُجمع الأطفال الذكور من الرعية المسيحية، وفي مقدمتهم أطفال البلقان، من الفئة العمرية بين 8 و18 عامًا، ممن يبدون بصحة جيدة وذكاء لافت، وذلك وفق قواعد محددة. ومن بين القيود التي فرضها النظام على نفسه عدم أخذ الأبناء الوحيدين للعائلات، وعدم أخذ أبناء القساوسة، وعدم التجنيد من مراكز المدن. كان الأطفال المجموعون يُنقلون إلى إسطنبول، وبعد إسلامهم وختانهم، يُوضعون لفترة عند عائلات تركية في إطار ما يُعرف بـ«Türk üzerine» (تحت رعاية عائلة تركية). وهناك يتعرف الفتيان على اللغة والعادات، ثم يُنقلون إلى «أوجاق الأعاجم» (Acemi Oğlanlar Ocağı).
كان أوجاق الأعاجم ينشط في مركزين رئيسيين هما غاليبولي وإسطنبول. وهناك كان الفتيان يخضعون لتدريب عسكري وديني صارم لمدة تتراوح بين 5 و7 سنوات تقريبًا، إلى جانب تكليفهم بأعمال بدنية في البساتين والترسانات وورش البناء. وفي نهاية التدريب، كان يُقام حفل اختيار يُعرف بـ«الخروج إلى الباب» أو «البدرگاه» (bedergâh)، فيُقبل الناجحون في أوجاق الإنكشارية، ويُخصَّص لهم راتب يسمى «العُلوفة» (ulufe)، ويُسجَّلون في فرقة معينة تُعرف بـ«الأورطة». أما من أظهروا ذكاءً وموهبة استثنائيين فكانوا يُوجَّهون إلى «الإندرون» في قصر طوپقاپی. وقد عمل هذا النظام كمؤسسة منضبطة ضمنت تجدد كادر الإنكشارية العثمانية على مدى قرون.
ما هي مهام الإنكشارية؟
شكّلت مهام الإنكشارية إحدى الدعائم الأساسية للنظام العسكري والأمني الداخلي للدولة العثمانية. فقد كان لكل فرد يُقبل في أوجاق الإنكشارية مسؤوليات محددة، وقد ازداد تنظيم هذه المهام مع مرور الزمن. ولم تكن مهام الإنكشارية مقتصرة على ساحة المعركة فحسب، بل كانت تدعم أيضًا مختلف مجالات عمل الدولة في أوقات السلم.
حارب الإنكشارية في الصفوف الأمامية للجيش وقت الحرب، وتصدّروا حصارات القلاع، وتولوا مهمة اختراق خطوط العدو. كما شاركوا مباشرة في حماية السلطان وقادة الجيش خلال الحملات العسكرية. لذا كان أداء الإنكشارية في حملات الدولة العثمانية عاملًا حاسمًا في انتصاراتها.
وفي أوقات السلم، كُلّف الإنكشارية بحفظ الأمن في المدن الكبرى، وفي مقدمتها إسطنبول. فقد تدخلوا في الأحداث الداخلية للمدن، ومثّلوا قوة الدولة في حالات الحرائق والفتن. كما كانوا مسؤولين عن ضبط النظام في مواسم الاحتفالات الرسمية للدولة. وتتلخص مهام الإنكشارية فيما يلي:
- القتال في الصفوف الأمامية أثناء الحرب
- حماية السلطان وقادة الجيش
- تأمين إسطنبول والمدن الكبرى
- حفظ النظام في احتفالات القصر
- المشاركة المستمرة في التدريبات العسكرية
- فرض سلطة الدولة في حالات الفتن والاضطرابات
ويلاحَظ أيضًا وجود تخصص واضح في مهام الإنكشارية خلال العصر الكلاسيكي. فقد كانت فرق «السولاق» (Solak) تتولى الحراسة الشخصية القريبة للسلطان؛ بينما تولت فرق «الزاغارجي» (Zağarcı) و«السكبان» (Sekban) مهام رحلات الصيد. وعند الخروج في حملة عسكرية، كانت «الأورطات» بنفسها تتولى الأعمال اللوجستية كخبز الطعام ونصب الخيام وتوزيع الحصص الغذائية. ولم يكن تجمّع الإنكشارية حول «القازان» (الوعاء الكبير) لأجل الطعام فقط، بل كان أيضًا مناسبة للتشاور واتخاذ القرار؛ وكان الفعل الرمزي المعروف بـ«قلب القازان» (kazan kaldırma) دليلًا واضحًا على استياء داخل الأوجاق قد يبلغ حد اتخاذ قرار بالتمرد. وبهذا المعنى، لم يكن الإنكشارية مجرد جند محاربين، بل تحولوا إلى مؤسسة تحافظ على انضباط مشترك في تسيير شؤون الأوجاق الداخلية.

البنية التنظيمية لفرقة الإنكشارية
انقسمت فرقة الإنكشارية في العصر الكلاسيكي إلى ثلاث فئات أساسية: فرق الجماعة (Cemaat)، وفرق الآغا (Ağa Bölükleri)، وفرق السكبان (Sekban Bölükleri). وكانت هذه البنية تتألف في مجموعها من 196 «أورطة» (فرقة)، منها 101 أورطة جماعة و61 فرقة آغا و34 فرقة سكبان. وكانت فرق الجماعة تمثل الجزء الأصلي والأكثر عددًا في الفرقة، بينما كانت فرق الآغا مخصصة لخدمة القصر، وفرق السكبان للصيد والمهام الخاصة. وكان على رأس كل «أورطة» قائد يحمل لقب «جوربجي» (Çorbacı)، وكانت لكل أورطة زخارف ورايات خاصة تُستخدم كرمز لها. وكانت هذه الزخارف تُنقش على المراجل والرايات، وكذلك على أبواب ثكنات الإنكشارية، مما كان يعزز الشعور بالانتماء والولاء بين الأورطات.
وعلى رأس التسلسل الهرمي للفرقة كان يقف «آغا الإنكشارية»، يليه رئيس السكبان (Sekbanbaşı)، وكتخدا القول (Kul Kethüdası)، وزاغارجي باشي (Zağarcıbaşı). أما في صفوف الضباط، فكان يوجد الجوربجية ورؤساء الغرف (Odabaşı) وكبار الطباخين (Aşçıbaşı). وبفضل هذا التنظيم الأفقي القائم على الأورطات، والتنظيم الرأسي القائم على درجات الرتب، شكّلت فرقة الإنكشارية بنية مؤسسية فريدة لم يكن لها مثيل في جيوش أوروبا في تلك الفترة. كما كانت هناك وحدات فرعية أخرى مثل «آتچكن» (Atçeken) و«تفنكجي» (Tüfekçi) و«قبيجي» (Kapıcı) و«ترسانلي» (Tersaneli)، وكانت هذه الوحدات مقسّمة وفقًا لطبيعة مهامها. ويُعد هذا التنظيم الدقيق لفرقة الإنكشارية العثمانية أحد أهم العوامل التي تفسّر استمرار فعاليتها على مدى قرون طويلة.
أسلحة وعتاد الإنكشارية
شهدت أسلحة الإنكشارية تغيرات كبيرة من عصر إلى آخر. فقد كانت الأسلحة الأساسية في العصر الكلاسيكي تتمثل في السيف المعقوف (يطاغان)، والسيف، والفأس، والرمح، والسهم، والقوس. ومنذ عهد السلطان محمد الفاتح، دخلت البندقية إلى الفرقة، ثم انتشرت استخدامها بشكل واسع في عهدي السلطان بايزيد الثاني والسلطان سليم الأول. وفي معركتي جالديران (1514) ومهاج (1526)، كانت قوة نيران بنادق الإنكشارية عاملًا حاسمًا في تحقيق الانتصارات العثمانية. وفي حين تحوّلت أوروبا فيما بعد إلى أنظمة البنادق ذات الزناد الحجري، ظلت بنادق الإنكشارية تعمل بنظام الفتيل لفترة طويلة، وهو ما أصبح منذ القرن السابع عشر أحد العوامل التي أضعفت التفوق العسكري للفرقة.
وفيما يتعلق بالزي الرسمي، كانت العلامة الأبرز التي يتميز بها الإنكشارية هي غطاء الرأس المعروف بـ«البورك» (Börk). وكان هذا الغطاء المصنوع من اللباد الأبيض، والذي يتدلى طرفه إلى الخلف، رمزًا للفرقة. وكان كبار الضباط يستخدمون أغطية رأس من نوع «أوسكوف» و«كوكا» بألوان وأشكال مختلفة. أما القفاطين والصدريات والسراويل التي كانوا يرتدونها، فكانت تُفصَّل بأنماط خاصة بالفرقة. وكانت رايات الأورطات تحمل زخارف على شكل «ذو الفقار» وهلال بألوان يغلب عليها الأصفر. وأما موسيقى المهتر التي كان الإنكشارية يعزفونها خلال سيرهم، والمعروفة بـ«طبل مسك الكلام»، فتُعد من أقدم نماذج الفرق العسكرية الموسيقية في التاريخ، وكانت تُستخدم لبعث الشجاعة في الصفوف وإضعاف الروح القتالية للعدو في الوقت نفسه.
من كان يقود الإنكشارية؟
كان قائد الإنكشارية يُعرف بلقب «آغا الإنكشارية»، وكان هذا المنصب يحظى بأهمية كبيرة على الصعيدين العسكري والإداري. وكان آغا الإنكشارية يعمل تحت إشراف السلطان مباشرة، وكان مسؤولًا عن كافة شؤون فرقة الإنكشارية. وكان لقائد الإنكشارية أيضًا مكانة مرتفعة للغاية في بروتوكول الدولة.
كان آغا الإنكشارية يدير جميع شؤون الأوجاق من انضباط وتدريب عسكري وتعيينات وعقوبات. وكان مسؤولاً عن قيادة الإنكشارية وتوجيههم في أوقات الحرب، كما كان يقدم الدعم لقادة الجيش عند الحاجة في الحملات العسكرية. أما في أوقات السلم، فكان يتولى مهام الأمن والنظام في المدينة.
كان تعيين آغا الإنكشارية، رأس هذه الفرقة، يتم بإرادة السلطان مباشرة. وكان يُنتخب عادة من بين الضباط الموهوبين وذوي الخبرة، ويُكلَّف بهذه المهمة من يقدر على حفظ نظام الأوجاق. أما الآغات الذين لم يستطيعوا القيام بمهامهم بنجاح، فكانوا يُعزلون بأمر من السلطان.
كان رأس الإنكشارية يمارس أحياناً تأثيراً غير مباشر في إدارة شؤون الدولة. فقد تمكّن آغاوات الإنكشارية الأقوياء بشكل خاص من اكتساب نفوذ على السلاطين. إلا أنهم كانوا مضطرين دائماً للخضوع لإرادة السلطان في نهاية المطاف.
كان المقر الرسمي لآغا الإنكشارية هو البناء المعروف بـ«آغاقپوسی» (Ağakapısı) القريب من جامع السليمانية؛ وكان هذا المكان بمثابة المكتب المركزي للأوجاق ومقراً تُدار منه الشؤون القضائية في الوقت نفسه. وكان الآغا واحداً من قلة من كبار الموظفين الذين يُقبَلون في حضرة السلطان خلال اجتماعات الديوان، وكان يتولى بنفسه قيادة موكب تحية الإنكشارية في المراسم الكبرى مثل الجلوس والأعياد وإخراج السنجق الشريف. ولم تكن مدة توليه المنصب ثابتة؛ فبعض الآغاوات بقوا في مناصبهم لسنوات طويلة، بينما تم تغيير آخرين في غضون أشهر خلال الفترات التي شهدت اضطرابات في الأوجاق. ومن الصدور العظام البارزين الذين تولوا منصب آغوية الإنكشارية في مرحلة من مسيرتهم المهنية: كوپريلي محمد باشا ومرة حسين باشا.
ثورات الإنكشارية والواقعة الخيرية
أصبحت الإنكشارية، منذ القرن السابع عشر، عاملاً ضاغطاً على الحياة السياسية، وذلك بفعل تراخي الانضباط داخل الأوجاق، وقبول أشخاص من خارج نظام الدوشيرمة في صفوفه، وتراجع قيمة العلوفة (الراتب). فمحاولة السلطان عثمان الثاني (كنج عثمان) في عام 1622 إصلاح طبقة قابيقولو، قُمعت من قبل الإنكشارية أنفسهم، وانتهت بخنق السلطان الشاب في يديقوله. وفي عام 1730، أدت ثورة پاترونا خليل إلى إنهاء عصر اللاله (Lale Devri) وعزل السلطان أحمد الثالث عن العرش. وفي عام 1807، أدت ثورة قباقچي مصطفى إلى عزل السلطان سليم الثالث، مؤسس جيش النظام الجديد (نظام جديد)، ثم قتله في عام 1808.
وقد عزّزت هذه الثورات المتتالية التي لم تنقطع لدى رجال الدولة العثمانية القناعة بأن الأوجاق لا يحتاج إلى إصلاح بل إلى التصفية. فحاصر السلطان محمود الثاني في 15 يونيو 1826 الإنكشارية الذين رفضوا الجيش الجديد «العسكر الإشكنجي» الذي أسسه، في ميداني «إت ميدانی» و«آت میدانی»، وأطلق عليهم نيران المدافع، ثم أعلن رسمياً إغلاق الأوجاق. وقد دخل هذا الحادث تاريخنا باسم «الواقعة الخيرية» (Vakay-ı Hayriye). وأعقب ذلك حظر الطريقة البكتاشية أيضاً بسبب علاقتها الوثيقة بالإنكشارية، وهو ما يُظهر أن تصفية الأوجاق لم تكن تصفية عسكرية فقط، بل شملت مؤسسة اجتماعية ودينية أيضاً. وتُعد الواقعة الخيرية نقطة التحول التي مهّدت الطريق لتأسيس الجيش الحديث في الدولة العثمانية المعروف بـ«عساكر منصورة محمدية» (Asakir-i Mansure-i Muhammediye).
الأسئلة الشائعة
من أسس أوجاق الإنكشارية؟
تأسس أوجاق الإنكشارية في عهد السلطان مراد الأول، ثالث سلاطين الدولة العثمانية، بين عامي 1363 و1365. وبناءً على اقتراح وزيره چاندارلی قره خليل باشا، وضمن إطار قانون «الپنچيك» (Pencik) الذي يخصص خُمس أسرى الحرب لهذا الأوجاق، وُضع أساس هذه الفرقة مع الاعتراف بمكانة حاجي بكتاش ولي الروحية. وبدأ الأوجاق بقوة تُقدَّر بنحو 1000 جندي، لكنه تحوّل في عهد السلطان محمد الفاتح إلى قوة دائمة تجاوزت 12,000 جندي.
أي دين وطريقة اعتنقها الإنكشارية؟
كان الإنكشارية، الذين نشأوا من نظام «الدفشيرمة» (Devşirme)، يُدخلون في الإسلام عند التحاقهم بالأوجاق. وكانوا يرتبطون روحياً بالطريقة البكتاشية، ويعتبرون الحاج بكتاش ولي شيخهم المؤسس، ويُعرفون بشعار «تاج البكتاشي». كما أُطلق على الأوجاق اسم «أوجاق بكتاشيان». وكان هذا الرابط الروحي أحد الأسباب الرئيسية التي دفعت السلطان محمود الثاني إلى حظر الطريقة البكتاشية عام 1826 إلى جانب إلغاء فرقة الإنكشارية نفسها.
كيف كان الإنكشارية يتقاضون رواتبهم؟
كان الإنكشارية يتقاضون راتباً منتظماً يُدفع كل ثلاثة أشهر يُعرف بـ«العلوفة» (Ulufe). وكانت مراسم التوزيع هذه، المعروفة بـ«موكب العلوفة»، تُقام في أيام انعقاد الديوان، حيث كان السلطان يتابع الاحتفال من «برج العدالة». وكان يُسجَّل في دفتر كل «أورطة» (فرقة) اسم كل جندي والمبلغ اليومي المخصص له، ويقوم أمناء الخزينة (الدفتردار) بدفع العلوفة بعملة الأقچة. ومنذ القرن السادس عشر، أدى تراجع قيمة الأقچة إلى مشكلات متكررة في دفع العلوفة، وهو ما كان أحد الأسباب الاقتصادية الرئيسية للثورات المتكررة التي قام بها الإنكشارية.
كم كان عدد الإنكشارية؟
تفاوت عدد الإنكشارية بشكل كبير بحسب العصور. فقد بلغ نحو 1000 جندي في عهد السلطان مراد الأول، وارتفع إلى ما بين 10,000 و12,000 في عهد السلطان محمد الفاتح، وإلى ما بين 12,000 و15,000 في عهد السلطان سليمان القانوني، ثم قفز إلى ما بين 50,000 و70,000 في النصف الثاني من القرن السابع عشر، وتجاوز اسمياً 100,000 في منتصف القرن الثامن عشر. لكن هذه الأرقام تعتمد إلى حد كبير على «دفاتر الأسامي» المخصصة لتوزيع العلوفة، بينما كان عدد الجنود المحاربين الفعليين أقل بكثير من ذلك.
متى تم إلغاء فرقة الإنكشارية؟
أُلغيت فرقة الإنكشارية على يد السلطان محمود الثاني في 15 يونيو 1826 في حادثة عُرفت بـ«الواقعة الخيرية» (Vakay-ı Hayriye). فقد تجمّع الإنكشارية، الرافضون لتشكيل جيش «الإشكنجي» الجديد، في ميدان «آت ميداني»، حيث تعرضوا لقصف مدفعي عنيف أدى إلى إخماد الثورة بشكل دامٍ وإنهاء الأوجاق نهائياً. وبعد ذلك، تأسس جيش حديث حمل اسم «عساكر منصورة محمدية» ليحل محله، فوضع ذلك حداً لمؤسسة عسكرية عثمانية استمرت نحو 460 عاماً.








