السلاطين العثمانيون والفن: العمارة والأدب والتراث الثقافي

لم يترك السلاطين العثمانيون أثرهم بالحملات والفتوحات وحدها، بل بالجوامع التي شيّدوها وبالشعراء والخطاطين والمزوّقين الذين رعوهم. ووفقًا للموسوعة الإسلامية لوقف الديانة التركي كان أكثر السلاطين شعراء، وكان بعضهم ملحّنين بارعين أو تلاميذ في الخط. ونتناول في هذه المقالة موضوع «السلاطين العثمانيون والفن» من العمارة إلى الأدب من خلال أمثلة.

ملخص سريع

  • وُضع أساس جامع السليمانية سنة 1550، وافتُتح الجامع للصلاة سنة 1557.
  • كان المعمار سنان يصف السليمانية بأنها «عمل التلمذة»، ويُعدّ جامع السليمية في أدرنة أعظم أعماله.
  • نظم محمد الفاتح الشعر باسم «عوني»، وبايزيد الثاني باسم «عدلي»، وسليمان القانوني باسم «محبّي».
  • شجّع بايزيد الثاني أستاذه الشيخ حمد الله على البحث عن أسلوب جديد في الخط.
  • أُنشئ منصب «الشهنامه جي» (المؤرخ الشاعر في القصر) نحو سنة 1550 في عهد سليمان القانوني.
  • كان سليم الثالث شاعرًا باسم «إلهامي» وملحّنًا في آن واحد.

المحتويات

كيف دعم السلاطين العثمانيون العمارة؟

كانت أبرز إسهامات السلاطين في الفن الكلّيات التي حملت أسماءهم. فقد كانت هذه المجموعات المعمارية المؤلفة من جامع ومدرسة وعمارة ودار شفاء وحمّام تعيش على إيرادات الأوقاف، فتغدو الكلّية مركزًا للعبادة والتعليم والمساعدة الاجتماعية معًا. وقد شرحنا سير هذا النظام في مقالة نظام الوقف.

وبدأ تقليد الرعاية في عهد الإمارة؛ فوفقًا للموسوعة كانت أول مدرسة هي التي أسسها أورخان غازي في إزنيق سنة 1331. ثم زيّن السلاطين اللاحقون بورصة وأدرنة وإسطنبول بكلّيات كبرى.

قصر الفاتح وكلّيته

بعد فتح إسطنبول منح السلطان محمد الفاتح المدينة مركزًا جديدًا مع قصر جديد. ووفقًا للموسوعة الإسلامية لوقف الديانة التركي بدأ بناء القصر الجديد، المعروف اليوم بطوب قابي، على الأرجح سنة 1465، ويحمل النقش الذي فوق الباب الهمايوني تاريخ 1478. وظلت مدارس «صحن ثمان» التي اكتملت سنة 1470 ضمن كلّية الفاتح مدة طويلة من أعلى المدارس العثمانية.

وقد شرحنا درجات المدارس هذه في مقالة نظام التعليم.

السليمانية: توقيع سلطان

وفقًا للموسوعة الإسلامية لوقف الديانة التركي وُضع أساس السليمانية سنة 1550 في احتفال حضره السلطان سليمان القانوني نفسه، ويُعدّ 13 يونيو 1550 يوم وضع الأساس. ووضع الحجر الأول شيخ الإسلام أبو السعود أفندي. وافتُتح الجامع للصلاة بعد سبع سنوات، يوم الجمعة 15 أكتوبر 1557.

ووفقًا للموسوعة أُغلقت القبة الرئيسة قبل الافتتاح بأشهر قليلة، في 16 أغسطس 1557. ولما توفي السلطان سنة 1566 في حملة سيكتوار بنى المعمار سنان ضريحه أيضًا. وقد تناولنا سبب تلقيب سليمان القانوني بـ«العظيم» في مقالة مستقلة.

المعمار سنان وعمارة القصر

ووفقًا للموسوعة أقام سنان في حملة البغدان سنة 1538 جسرًا للجيش على نهر بروت، فقدّره لطفي باشا وعيّنه رئيسًا للمعماريين في المنصب الذي شغر بوفاة عجم علي سنة 1537. ومن المعروف أن سنان عاش نحو مئة عام، وتنسب إليه بعض الكتب المرجعية نحو 350 عملًا.

ويصف المعلّم السليمانية بأنها «عمل التلمذة»، أما جامع السليمية الذي بناه في أدرنة باسم سليم الثاني فيُعدّ أعظم أعماله. ووفقًا للموسوعة امتدت بعض الحلول التي ابتكرها في هذين الجامعين، عن طريق تلاميذه، حتى جامع السلطان أحمد والجامع الجديد في أمين أونو.

ويمكنكم الاطلاع على الملامح العامة للأسلوب الكلاسيكي في مقالة خصائص الفن والعمارة العثمانية.

السلاطين العثمانيون الشعراء

وفقًا للموسوعة الإسلامية لوقف الديانة التركي كان أكثر السلاطين العثمانيين شعراء. فقد نظم محمد الفاتح الشعر باسم «عوني»، وتبرز الموسوعة أسلوبه السلس وعبارته الواضحة. واستعمل بايزيد الثاني اسم «عدلي»، وديوانه الصغير المؤلف في معظمه من الغزليات مطبوع.

وديوان سليم الأول الذي يضم أشعاره الفارسية مطبوع أيضًا. وترك سليمان القانوني ديوانًا باسم «محبّي»، واستعمل كذلك اسمي «محب» و«مفتوني». وتذكر المصادر أنه كان يكرم العلماء والشعراء ويرعاهم. ونظم مراد الثالث أيضًا أشعارًا دينية وصوفية باسم «مرادي».

الشهنامه جيون: مؤرخو القصر الشعراء

ووفقًا للموسوعة أُنشئ منصب «الشهنامه جي» في عهد سليمان القانوني نحو سنة 1550. وكان الشهنامه جي موظفًا دائمًا ذا راتب، يروي أحداث عصره بلغة أدبية. وكان أول من عُيّن فيه الشاعر عارفي فتح الله جلبي، وتولاه خمسة مؤلفين في خمسين سنة، ثم انتهى التعيين الدائم بعد سنة 1601.

وبقي الشهنامه جي الثالث السيد لقمان في منصبه من 1569 إلى 1595. ووفقًا للموسوعة بلغ عدد الفنانين والخطاطين والمذهّبين الذين عملوا في المجلد الثاني من «هنرنامه» سنة 1589 تسعة وستين. وتوافق هذه السنوات عهد مراد الثالث الذي تعدّه الموسوعة ذروة الشكل الكلاسيكي للثقافة العثمانية.

وكانت جذور هذا التقليد أقدم؛ ففي عهدي محمد الفاتح وبايزيد الثاني كُتبت أعمال تروي بطولات السلاطين في مثنويات فارسية، ومن أوائلها «غزانامه روم» لكاشفي و«هنكارنامه» لمعالي. وقد درسنا اهتمام الفاتح بروايات التاريخ والبطولة في مقالة الإسكندر الأكبر والسلاطين العثمانيون.

فن الخط والشيخ حمد الله

ووفقًا للموسوعة اتخذ بايزيد الثاني، العارف بالموسيقى والمطّلع على الآداب التركية والعربية والفارسية، الشيخَ حمد الله أستاذًا له في الخط ونال منه الإجازة. وأخرج السلطان من الخزانة سبع قطع بخط ياقوت المستعصمي وأعطاها أستاذه، ونصحه بأن يجد طريقًا جديدًا مختلفًا عن هذا الأسلوب.

ووفقًا للموسوعة صارت مدرسة الشيخ حمد الله التي وُلدت من هذا التشجيع أطول مدارس الخط عمرًا، وحافظ الأساتذة الذين جاؤوا بعده على أشكال الحروف التي غدت كلاسيكية. وتقدّم الموسوعة الإسلامية لوقف الديانة التركي الشيخ حمد الله مؤسسًا لمدرسة الخط العثمانية. ولرمز آخر من رموز كتابة القصر يمكنكم مراجعة مقالة معنى الطغراء.

النقاشخانه والمنمنمات

كانت داخل قصر طوب قابي وبالقرب منه «نقاشخانات»، أي مراسم القصر التي تتولى أعماله الفنية. ووفقًا للموسوعة كان يعمل فيها الرسامون ونقّاشو الزخارف والمذهّبون والمجلّدون ونحّاتو الأحجار الكريمة وصنّاع الزجاج. وكانت بعض ورش «أهل الحرف الخاصة» التابعة لتنظيم القصر في فنائه الأول.

السلاطين العثمانيون والفن: لوحة زيتية لرجال الدولة والخدم حول مائدة في قاعة القصر

ولم يكن القصر مغلقًا أمام الفنانين الغربيين أيضًا؛ فوفقًا للموسوعة كان الفاتح يطلب منذ سنة 1461 رسامًا من إيطاليا ليرسم صورته، حتى جاء الرسام البندقي جنتيلي بيليني وأقام في إسطنبول بين سبتمبر 1479 ويناير 1481. وزيّن بيليني جدران القصر الجديد أيضًا بلوحات جصية على طراز عصر النهضة.

وكانت «الشهنامات» التي تُطلب للسلطان تُزيَّن بكثير من المنمنمات. ووفقًا للموسوعة أسهمت هذه الأعمال إسهامًا كبيرًا في تطور فن المنمنمات الذي بلغ ذروته في عهد مراد الثالث. وعمل رسامو القصر مثل النقاش عثمان والنقاش حسن عن قرب مع الشهنامه جية. ويضم المجلد الأول من «هنرنامه» الذي اكتمل سنة 1584 خمسًا وأربعين منمنمة، والمجلد الثاني الذي انتهى سنة 1588 خمسًا وستين.

الموسيقى: السلطان الملحّن سليم الثالث

ووفقًا للموسوعة كان سليم الثالث شاعرًا ترك ديوانًا كبيرًا باسم «إلهامي». ومن المعروف أنه كان مولويًّا، وأنه رعى الشيخ غالب أشهر شعراء عصره. وله ألحان ذات قيمة فنية عالية، وكان يرى براعته الموسيقية أعلى من شاعريته، وهو الذي ابتكر مقام «سوزدلارا» ونظّمه.

وقد شرحنا إصلاحات سليم الثالث المعروفة بـ«النظام الجديد» في مقالة السلاطين وحركات الإصلاح. ويُظهر اجتماع الفن والسياسة في سلطان واحد مدى اتساع الثقافة في القصر.

التراث الثقافي للفن العثماني

ما زال الإرث الذي تركته هذه الرعاية ظاهرًا للعيان اليوم؛ فكلّيات مثل السليمانية والسليمية تحدد صورة إسطنبول وأدرنة، ودواوين السلاطين والشهنامات المصورة محفوظة في المكتبات، وآثار مدرسة الشيخ حمد الله حية في فن الخط.

ويُذكر عصر التوليب في مطلع القرن الثامن عشر أيضًا مرحلةً برزت فيها ثقافة الفن والترفيه حول القصر. ويمكنكم كذلك مشاهدة الفيديو التالي حول الموضوع.

أسئلة شائعة

من السلاطين العثمانيون الذين كانوا شعراء؟

وفقًا للموسوعة الإسلامية لوقف الديانة التركي كان أكثر السلاطين شعراء؛ فقد استعمل محمد الفاتح اسم «عوني»، وبايزيد الثاني «عدلي»، وسليمان القانوني «محبّي»، ومراد الثالث «مرادي»، وسليم الثالث «إلهامي».

متى بُني جامع السليمانية؟

وُضع أساسه سنة 1550، وافتُتح للصلاة في 15 أكتوبر 1557.

ما أعظم أعمال المعمار سنان؟

وفقًا للموسوعة الإسلامية لوقف الديانة التركي هو جامع السليمية الذي بناه في أدرنة باسم سليم الثاني.

من هو الشهنامه جي؟

هو مؤرخ القصر ذو الراتب الذي يكتب الأحداث بلغة أدبية، وقد أُنشئ منصبه في عهد سليمان القانوني نحو سنة 1550.

من مؤسس مدرسة الخط العثمانية؟

تقدّم الموسوعة الإسلامية لوقف الديانة التركي الشيخ حمد الله، أستاذ بايزيد الثاني، مؤسسًا لهذه المدرسة.

الخاتمة

تكشف قصة «السلاطين العثمانيون والفن» أن السلاطين كانوا رعاةً للفنون وممارسين لها في آن واحد. فالكلّيات مثل السليمانية والسليمية، ودواوين السلاطين الشعراء، ومدرسة الشيخ حمد الله في الخط، وألحان سليم الثالث وجوه مختلفة لهذه الرعاية. أما ورش القصر والشهنامه جية فقد أتاحت لهذه الفنون أن تتطور في نظام مؤسسي. وهذا الإرث من أبقى آثار الحضارة العثمانية التي وصلت إلى أيامنا.

المصادر

أضف تعليق